يوليو 15، 2011

هل حقا مصيرنا بأيدينا


هل حقا مصيرنا بأيدينا ؟
للزّمن أحكامه، فجاءت سنة 2011 في ذات السياق سنة الشعوب العربية بامتياز،إذ أفصحت عن انبلاج صبح جديد في التاريخ العربي الحديث يُبشّر بتغيير عميق تصنعه الإرادة الشعبية.
فجأة انتفضت شعوب وأصابت بذات العدوى أخرى، هنا، حيث لغة الضاد تكشف عن هويّة جغرافيا قُطّعت إرباً وأنهكها الإذلال واستبيح عرضها.هنا حيث "الأرض تحدّث أخبارها" بأنّ الإنسان خليفة الله على أديمها أوحى لها بأن تُطيح بأصنامها وفجّارها وأبالستها الأعراب...إنها الأرض العربية تتشكّل من جديد ليُؤْذَن لها بأن تحضن أبناءها بعد أن قست عليهم زمنا مديدا فتاهوا في شعابها وفقدوا الأمل في معانقة دفء أحضانها حيث يُختزَل المعنى الحقيقي لوجودهم كبُنَاة حضارة.
عادت الأرض العربية ملهمة لشعوبها تهب بعضها ،في لمح البصر،قدرة هائلة مدوّيّة على  إزاحة الجاثمين على صدرها(تونس،مصر)،وتزوّد بعضها الآخر بإرادة لا تقهر على المقاومة والصمود في وجه طغاتها وجلاديها فتنال من جبروتهم وتكسّر أنيابهم وتبطل أثر مكرهم وتضعهم أمام قدر نهايتهم المحتوم (القذافي/ليبيا،علي عبدالله صالح/اليمن...)،في حين ينقاد الوضع في بقية البلدان العربية إلى ذات المخاض،مرغما أو مسطَّرا له،وإن بدا مشهده مراوحا بين هذا وذاك أو متداركا الأمر باعتماد خطّة إصلاح على عجل، متّعظا بعبرة أنّ إرادة الشعوب لا تُقهَر التي هي ذاتها في كلّ شبر من تراب الوطن العربي المعطاء.
لئن أجمعنا على أنّ العالم العربي يعيش اليوم مخاضه العسير الواعد وإطلالته على موعد مع التاريخ مغاير،فإنّ أسئلة ،غير بريئة، لا مناص من طرحها تتسلّل ملحّة لجوجة،في غمرة النخوة والانبهار "بالربيع العربي"،لتقول،فيما تقوله :" ما السرّ في توقيت هذا الرّبيع ومكانه؟..بأيّ أدوات يُنجز،وإلى أين؟...
لنتّفق على أنّ الغضب العربيّ الهادر لم تحبل به أحشاء سنة 2011. لقد كان،على مدى زمن طويل،خبز العرب اليومي،يتعاطونه جلدا للذات وتراكم تضحيات يكاد لا يمرّ يوم دون أن نستقبل صبحه بمرارة خطابه وبأحداثه الدامية وضحاياه...استحضارٌ لذاكرة التاريخ القريبة كفيلة بالشهادة على أن العرب والغضب توأمان في ذات الذاكرة،ليس غضب خطابٍ فحسب بل هو في أوجهٍ كثيرةٍ يتحوّل إلى فعل تُزهق فيه أرواح ويَقُضّ مضاجع طغاة مستخفّين بكرامة الشعوب:لِنَستحضر نضالات الشعب الفلسطيني البطولية من أجل استرجاع أرضه وكرامته المهدورة التي لم تفتر إلى اليوم...لنقرأ صفحات الثورات/الانقلابات العربية التي أطاحت بأنظمة فاسدة مستفيدة من غضب الشعوب لتتنكّر لأسبابها لاحقا...لنُعيد شريط أحداث اغتيال محمد أنور السادات من حيث أسبابه...لنَمرَّ على عراق جريح تَقطِف ثمار غضبِ شعبه "مافيا" الدّاخل والخارج...لنقرأ في خفايا أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من ترويع في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا حيث الغضب العربيّ متهم بتفجير ذات الأحداث وغيرها كثير...
إذن،ما الجديد في فعل الغضب العربي الذي انتسب لسنة 2011 ؟..ولماذا اختار ذات التوقيت؟..
توحي أحداثه كما صنعها فاعلوها أنها فعل شعبي من أجل مناشدة حياة كريمة على الأرض العربية دون حاجة إلى إيديولوجيا ولا إلى شعوذةِ سَحَرة أو تنظيرِ مُنظِّرين.أيُّ مسعى من ذات القبيل يُعَدّ انحرافا عن دوافع الغضب الشعبي وسرقة لثماره واغتيالا لتطلّعاته...يُصوَّر مشهده البديع على أنّه "ربيع" صنعه شباب عربيّ تمكّن من تكنولوجية حديثة لم يحصل له ولا لآبائه شرف ابتكارها،إنها تكنولوجية الحاسوب والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية التي هي،أيضا،ليست ابتداعَ فكرٍ عربيّ،لكنّ شبابه حذق استعمالها واستفاد منها بتطويعها لتمرير حجم الغضب الهائل الذي يسكنه وتفجيره في وجه حكّامه،فإذا به يحوّلها إلى سلاح مقاومة جديد وناجع.
أمّا استعمال تكنولوجيا الشبكة العنكبوتية،في هذا التوقيت بالذات،فمردّه يعود إلى الفارق الزّمني الذي استغرقه انتقالها من الصانع إلى المستهلك،وما صاحب ذلك من تردّد في إرادة إرساء بنيتها الأساسية في الوطن العربي لتكون جاهزة للاستعمال ومتاحة لأوفر قدر ممكن من الناس...
قبيل اندلاع شرارة "الربيع أو الثورات العربية" انشغل الرأي العام العربي بما سُمّي بتسريبات "ويكيليكس" التي استهدفت بالتجريح أنظمة حكم عربيّة وكشفت عن خياناتها لشعوبها وفسادها...
يجب أن نعترف،أيضا ودون مراوغة،أنّ "الرّبيع العربيّ" بشرت به أميركا زمن حكم "بوش الابن" وعلى لسانه ووزيرة خارجيّته "كوندليزا رايس" بصريح العبارة التي تُعلن عن ميلاد "شرق أوسطٍ جديد" "وفوضى خلاقة" وتدعو الحكّام العرب إلى "الإصلاح السياسي"...
ثمّ إنّ إطلالة "الرّبيع العربي" ليست بمعزل،توقيتا وغاية،عن ترتيبات "نظام عالمي جديد" تتسابق القوى التقليدية المهيمنة على العالم مع قوى جديدة صاعدة على وضع بصماته المؤثّرة في تشكيله...
إنّ محاولة قراءة الوضع العربي الراهن ضمن سياق مخاض التحوّلات العالمية المتسارعة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وضمن أجندات المهيمنين على حضارة العصر،ليس من قبيل الانخراط في "نظريّة المؤامرة"،ولا يجب أن يُوحيَ بالاستهانة بما ينجزه الشارع العربي من بطولات جدّيّة ومنسجمة مع إيقاعات نبض عربي يتطلّع،من خلالها، إلى الانخراط في التغيير في ظلّ عالم يتغيّر...فعْل "الغضب العربي" بذات الوسائل لا انتقاص من شأنه ولا تثريب عليه حتى إن كان انخراطا في سياق أجندات عالمية،إذ العبرة ليست،فحسب،بالأسباب التي تصنع الثورات العربية ،بقدر ما هي بالنتائج التي تسفر عنها خسارة أم غنيمة.كلما استطاعت الشعوب العربية أن تفرّق بين الممكن والمنشود في أوج معانقتها لأحلامها وهي تصنع ربيعها اليوم،كلّما أمكنها أن تتفادى التصادم مع الآخر باستدراجه إلى التأسيس لشراكة تطمئنه على مصالحه التي ليست بالضرورة مصادرة لمصالحها،كلّ مصالحها...على النّخب العربية أن تقطع مع خطاب التضليل والتعويم الذي يدّعي أنّهم حملة مشروع لا يتّسق مع مشروع الآخر أو لا يتقاطع معه في جوانب كثيرة،عليهم أن يصارحوا أنفسهم وشعوبهم بما يملكونه وبما هو ليس بحوزتهم...ليس بحوزتهم غير دهاليز الإرث الغابر بأمجاده و فكر نخبوي مغترب في جنة أحلام يتفادى التعاطي مع جحيم الواقع العربي ويتعالى في صلف وكبرياء على التواصل مع أجيال الشباب العربية المتسلّحة بالعلم والمعرفة،المستبدّة بها حيرة صنع المصير الأفضل...
إنّ نضال الشعوب العربية،هو اليوم كما كان بالأمس،بطوليّ شريف،وهو إذ يُستهدَف بالتشويه ولا تقطف ثماره،فليس لعلّة فيه،إنما لقصور في النّخب التي تركبه بـ"روعة التصوّر وفقر السلوك" يصوغه خطاب عاطفي تخويني للمختلف في الداخل والخارج ويكشف عن سلوك لعقلية انتهازية تقود إلى حيث منافع عاجلة لحامليها المنتصبين قادة...ذات الشعوب لم تعد تثق في أنبياء جدد يعدونها بالوطن الجنّة ثمّ يحوّلونه إلى جنة لأهوائهم الرخيصة وإلى جهنّم لرعاياهم...الشعوب العربية غدت مرتابة في نوايا زعاماتها ونخبها ارتيابها في نوايا أعدائها الخارجيين،فقطعت عهدا على نفسها أن تتولى مقاليد أمرها بنفسها احتكاما لديمقراطية تتلاقح في رحابها الأفكار وتتعايش لتخصب الجديد النافع الذي لا يُعيد إنتاج التخوين والتكفير والآلهة البشر والإلهاء بأعداء الخارج المحتملين...الشعوب العربية تريد سلطة الشعب في أوطانها تؤمّن لها الخبز والكرامة وبلوغ المنشود بالقدر الممكن بلوغه،على ضوء قدرتها على البذل والمثابرة ،ووفق ما تتيحه الأوضاع العالمية المتغيّرة من فرص لا تستوجب،إطلاقا،التعامل معها بحذق الصراخ والعويل أو الانتحار...