يوليو 20، 2011

التونسيون لم يفرحوا بثورتهم

التونسيون لم يحتفلوا بثورتهم

- في مشهد محيّر ومثير للدّهشة يتعفّف العدد الوافر من الشباب الذين صنعوا الثورة عن فرض إملاءاتٍ تُمكّنهم من قطف ثمار إنجازهم ،رغم أوضاعهم الصعبة الحرجة التي تضع استحقاقاتهم الضاغطة في المرتبة الأولى...لماذا ؟،لعلّه إدراك ذكائهم الفطري والمكتسب زوّدهم بالصبر وبصّرهم إلى أنّه ليس ثمّة من وليمة تقيمها السّماء،للتوّ،على نخب الثورة في وطنهم الجريح...اعتبروا أنّهم أنجزوا ما ثأر لكرامتهم المهدورة ودلّل على وطنيّتهم الصادقة تاركين أمانة تحقيق أهداف ثورتهم لمن هم أكبر منهم سنّا وأصلب عودا وأوفر خبرة وتجربة...ليس ذلك،فحسب،بل إنّ أفواجا منهم،ما إن استكملت مهامها في إيقاد شرارة الثورة حتى انصرفت،على عجل، إلى البحث عن لقمة عيشٍ خارج حدود الوطن قاطعة أهوال البحر في قوارب صغيرة متهالكة لم يصمد العديد منها في وجه الأنواء فغرقت بمن فيها في الأعماق...تُفصح الأرقام الرسميّة عن عدد 22 ألف من الشبان التونسيين الذين تمكّنوا خلال الأشهر الأولى من اندلاع الثورة من التسلّل إلى جزيرة "لامبادوزا" الإيطالية  التي لا يتجاوز عدد سكانها الأصليين الستة آلاف،وتُضيف رواية أخرى غير رسمية أنّ هؤلاء الشبان اليافعين،الذين قُدّر لهم النجاة ولم يبتلعهم البحر فأرسوا على شواطئ ذات الجزيرة،كانوا مسكونين بنشوة انتصار ثورتهم إلى حدّ أنهم دخلوا الأرض الأجنبية بعقلية الثوّار هاتفين: "لاَمْبادُوزَا حرّة،حرة،والطّليانْ على برّة"،أي أنهم كانوا يدعون السكّان الأصليين للجزيرة إلى الرّحيل عنها...
تلك،إذن،مشاهد في مسار الثورة التونسية تسهم إلى حدٍّ كبير في الإفصاح عن رسائلها والظروف التي حفّت بها :شباب ينتفض من أجل انتزاع حقّه في الكرامة فيُطيح بدكتاتورية من أعتى الدكتاتوريات العربية ثمّ تنصرف أعداد وافرة منه إلى البحث عن شغل يُؤمّن مُقوّما،لا غنى عنه،من مقوّمات الكرامة المفقودة داخل الوطن لينشده خارجَه حيث ينعم الغرب بالثروة والحرية...بالمقابل مساجين سياسيون يُطلق سراحهم ومهجّرُون تمكّنهم الثورة من العودة إلى حضن الوطن الدافئ،فيُشكِّل أولئك وهؤلاء مع أعداد أخرى من المقصيين والمهمّشين والمتسلّقين طليعة المؤتمنين على تحقيق أهدافها...تشتبه السبل نتيجة الانشغال بتصفية الحسابات القديمة وتواضع القدرة على تعبئة كلّ قوى البلاد للانخراط في بناء وطن الجميع لفائدة الجميع،ويزداد الوضع تعقيدا نتيجة حراك إقليمي بعضه عنيف وبعضه الآخر يُطبخ على نار هادئة متزامنا مع مراسم احتفال لافتة يَبْرع الغرب المهيمِن في إخراج طقوسها،هناك،حيث جنوب السودان يُذعن لـ"وعد" انفصاله رسميا عن شماله مقابل ألاّ تتعجّل المحكمة الدولية ملاحقة الرّئيس طويل العمر ومديد الحكم"عمر البشير" ذاك المتّهم بشنِّ حرب إبادة جماعية،في حين أنّ ذات المحكمة تستفيق متعجّلة ملاحقة متّهمين مفترضين باغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق...
 لا يجب إهمال التّنبُّه إلى عملية جارية لإعادة ترتيب خريطة العالم لم تبدأ للتّوّ،وأنّ المطلوب من العرب ليس السباحة ضدّ التّيار-كما كان حالهم سابقا حصادا للهزائم- بل إدراك طبيعة التحدّيات الجليّ منها والموارب،من أجل الحيلولة دون أن تتفجّر الألغام في وجوههم من جديد،من أجل تأكيد ولادتهم الجديدة انتزاعا لأوفر قدر من المنافع الممكنة،لا المشتهاة، التي تضعهم على سكّة الحداثة والتقدّم دون أوهام عظمةٍ تُطوِّح فيما لا يُحمَد عقباه لشعوبٍ أثبتت أنها لا تندثر ولا تموت ولا تستسلم،رغم كلّ الهوان الذي أنهكها نتيجة خذلانها،بالأساس،من قادتها ومثقّفيها الذين فوّتوا عليها فرصا كثيرة نتيجة سوء تقدير لما تستوجبه استحقاقات كلّ مرحلة.