ذات تاريخ عربي...
أي نعم فلنَبْشر فلقد تحررت الشعوب العربية من خوفها الذي كان يشلّ حركتها ويستعبد إرادتها،تحررت من عبادة أوثان أجبرت على عبادتها والتسبيح باسمها وتقديم القرابين إليها والإذعان لبذاءاتها وفحشها والتسليم بقضائها كما لو أنه قدر إلهي محتوم لا يجوز الاحتجاج عليه وعصيانه،بل إنّ التعاليم الربانية يُفتى لعصيانها من أكثر الناس تدينا وتقوى ولا ترتقي لخانة كبائر خرق تعاليم الطاغية الحاكم بأمره الذي لا يَقبل سوى بتمجيد جرائمه واعتبارها "كرامات" وهبتها للشعوب أقدارها...
تحررت الشعوب العربية من خوفها فعقدت العزم على الإطاحة بآلهتها "الصّنميّة" وتهشيم أوثانها،تماما كما فعلت في ثوراتها التحررية ضد الاستعمار الأجنبي المدجّج بأعتى وسائل القمع والترهيب...لم تعد تخشى شيئا لأنها،ببساطة،أدركت أنه لم يبق لها شيء تخاف عليه فيكبت غضبها ويُلجم لسانها ويُسكّن أوجاعها.
تحررت الشعوب العربية اليوم حين اقتنعت بأخذها زمام أقدارها ،دون وسيط ولا انصياع لإلهام رموزها ونخبها وحتى منجّميها...تحررت بعد أن أرهقتها التنظيرات المعقّدة والحسابات الضيقة والتنبّؤات الكاذبة والنرجسية المقيتة والأوهام المضللة وعطائها العليل.أخذتْ بزمام أمورها أمام ذهول حكامها الأغبياء واضطرار أكادمييها على العودة إلى مقاعد الدراسة تلاميذ شيوخا يتعلمون من أساتذتهم الصغار اليافعين واعتراف منجّميها بقصورهم على استقراء مستقبل تصنعه إرادة حاضر يسكن بين جنبيهم ويُرى بالعين المجرّدة دون حاجة إلى شعوذة ولا استحضار جنّ.
يا للدهشة،تنطلق شرارة الانتصار على الخوف وتحطيم صنم الآلهة الرهيب من حيث لم يُراهن على ذلك علماء استشراف ولا قرّاء كفّ،تُزفّ البشرى من ذلك البلد العربي الصغير الآمن المسترخية على رماله وفي منتجعاته ملايين السياح الهاربين من الضجيج والتلوث ومن خوف يقضّ مضاجعهم في أوطانهم حيث مخاطر الأزمة الاقتصادية والارتباك والإرهاب،والباحثين عن السكينة في زرقة البحر وواحات الصحراء والوداعة واللطف التي تقرؤها في عيون التونسيين:"ابتسم إنها تونس"...شعب مسالم ومتسامح وكادح ومقبل على الحياة بقوة تراها تنبض في دماء شبابه الفوارة وفي وميض يلمع ذكاء في عيني كلّ تونسي يعترض سبيلك حتى ذاك الذي كان يجرّ عربة خضار في مدينة سيدي بوزيد وهو يستقبل يومه المعتاد بوجه يفيض أملا وبشرا واعتزازا بتضحيته من أجل جلب قوته وعائلته الفقيرة بشرف وكبرياء رغم كلّ ما يتعرّض له من حيف وظلم وما يختزنه من توق إلى حياة أفضل جدير بها،ليس هو فحسب،بل كل مثابر شريف في وطنه المعطاء المنهوب...إنه ذاك الذي اسمه "محمد البوعزيزي" الذي تحوّل لحظة "فيض الكأس" واستحالة احتمال ما لا يُحتمل إلى رمز آخر بليغ الدلالة لأفق جديد بعد أن فقد كلّ قدرة على الصمود أمام الغبن،فاحتجّ بأسلوبه دون أن يعتدي على أحد حتى أولئك الذين سلبوه آخر رمق في الأمل بوطن يحضن كادحيه...لم يحرق الوطنَ بل حرق الغبن في جسده وفي شعبه قربانا للوطن الذي أحبّه فاشتعل وقودا لثورة الحرية والكرامة البشرية.
تلك هي تونس اليوم وهي تستكمل مشوار "ثورة الزعتر والياسمين" بحنكة واقتدار يؤمّنهما شعب متيقّظ أمسك بزمام المبادرة ولن يتخلى عنه.. فعلها الشعب فأجهض خطط النخب السياسية في الحكم والمعارضة حتى لا ترتهنه فتستعبده،وفرض عليها،بكل مشاربها وأهوائها وإيديولوجياتها،أن تعترف أنها مهما ادّعت البطولات والتحديات هي ليست إلا انخراطا في مسار إرادته للحياة يتقدمها في الفعل التاريخي الحاسم ولا تتقدمه حتى لا تدّعي يوما أنّها صنعت ثورته وأنه لولاها ما كان ليثور على الاستبداد والفساد..وإذ يحيّي هذه الثورة الجميع تحيةَ إكبار وإعجاب كانت فرائص الطغاة العرب ترتعد وقلوبهم ترتجف وعروقهم تتيبّس وعقولهم تتكلس بعد أن خانها مكرها وخبثها،في الوقت الذي انتعشت شعوبهم برحيق الثورة الشذيّ العبق يتنفّسونه إرادة حياة لا تقهر...كان لا بدّ أن يخترق الانتصار على الخوف الحدود،وكان لزاما أن ينتقل بسرعة متناهية من جغرافيا الاختبار وصنع النموذج في الوطن الصغير مساحةً وسكانا-تونس-إلى جغرافيا الوطن الأكبر-مصر-ليكتمل البناء ويُطوّق الأعداء ويستحيل الانقضاض على إنجاز المشروع العربي الجديد وإجهاضه،مشروع الشعوب الذي لا يحتمل تأويلا في الحرية والعدالة والتنمية الشاملة وفي إبادة خفافيش الظلام ودكّ أوكار كواسر الاستبداد والفساد...شعب مصر العظيم آمن بـ"إذا الشعب يوما أراد الحياة/فلا بدّ أن يستجيب القدر-ولا بدّ لليل أن ينجلي/ولا بدّ للقيد أن ينكسر"...هو ذاهب إلى صنع قدره بنفسه دون إملاء ولا وصاية من أحد،هدفه واضح وطريقه سالكة...ما تزال الفرصة متاحة لكل قواه بأن يتداركوا الأمر حقنا للدماء الزكية ووفاء للشهداء وبرّا بالأمجاد...والأمل في الاعتبار من حقائق التاريخ وتجارب الحاضر...
القهر هو القهر، لكن مقاومته والانتصار عليه لهما دروب وشعاب شتى نتلمّسها بمصباح واحد اسمه:"إرادة الشعوب"...لكنّ الطرق الوعرة التي نروم قطعها تستوجب وسائل متنوعة ومتباينة لا تنتجها غير شعوبها الخبيرة بشعابها-"أهل مكة أدرى بشعابها"-...ما يحدث اليوم-مثلا- في مصر يعتمد نفس ذات إرادة الشعب التونسي لكنه يبتدع وسائل نضاله الخاصة به التي هي ليست بالضرورة نفس ذات أدوات النضال التونسية ولئن كانت الغاية واحدة:حرية وكرامة إنسانية وانخراط فاعل في صنع التاريخ...لا ندري هل نبوءة "الشيخ" القدير بقامته الوقورة محمد حسنين هيكل هي قدر ثورة مصر حين قال:" ميزان المستقبل أصبح فى يد القوات المسلحة، فهذه القوات وهى رمز السيادة وأداتها ــ أمامها الآن مسئوليات عظمى ليس هناك غيرها من يقوم بها، وأستطيع تصورها خطوة بعد خطوة. ــ الخطوة الأولي: تأكيد ما أعلنته من اللحظة الأولى من أنها تتفهم مشروعية مطالب القوى الوطنية والشباب طليعتها. ــ والخطوة الثانية: إعلان ضمان فترة انتقال تفتح الطريق لوضع جديد يحكمه عقد اجتماعى متحضر يمهد لدستور، لايكتبه خبراء قانون، ولكن تصدره إرادة شعب حر، وبعدها يجىء دور الصياغة، ويجىء دور رجال القانون. ــ ومع ضمان القوات المسلحة فإنه من الضرورى أن يكون هناك محفل وطنى جامع مع عقلاء الأمة، يحملون أمانة مشروعها، وبحيث يعكس هذا المحفل ليس فقط روح شباب 2011، ولكن وجوده المباشر أيضا، وربما كان التأمين الأكبر للمحفل الوطنى الجامع لأمناء الوطن أن يتكون من عناصر كلها تحت سن معين ــ خالص من «كراكيب» الماضى (وأنا أعتبر نفسى بينهم)، حتى يتخفف المستقبل من حمولاتها وأثقالها، وحتى يكون هؤلاء الأمناء على الوطن أقدر على فهم زمان عالمى جديد، عليه أن يتفاهم معه ويتعامل مع قواه، مبرأ من عقد وتعقيدات ترسبت من مراحل انتهى وقتها الأصلى، وانتهى وقتها الإضافى، وانتهى وقتها الضائع"...
كذا الشأن لبقية الشعوب العربية التي تنسج اليوم من خصوصياتها ثوراتها المجيدة،لتنتج أنسجة إن تباينت حياكةً فهي ،جميعها،بذات خيوط العزم على الفعل الحضاري وضرب موعد مع تاريخ عربي جديد مغاير لا سيادة فيه إلا لشعوب تنحت عصر نهضتها وتنويرها...