دخلت أطراف كثيرة على الخط،من الداخل والخارج،للانخراط بقوة في ثورة إرادة الشعب تحت يافطة استكمال استحقاقاتها في "الحرية والكرامة الوطنية".إلا أنّ ذات الانخراط تحفزه رؤى فكرية متباينة ومصالح،غالبا،ما تكون متضاربة بما جعل المشهد العام في تونس يبدو ضبابيا ومحيرا ومرشحا ليكون مفتوحا على كلّ الاحتمالات،وإن طفح على السطح اتفاق الأغلبية اتفاقا تاما على المناداة بالمضي قدما من أجل تحقيق أهداف الثورة في أنبل معاني رسالتها والتحذير من مغبّة إجهاضها والالتفاف عليها.في ذات الوقت يسعى كلّ طرف-عمليا وفي سباق محموم في الداخل والخارج-إلى إغراء الشارع بـ"جنّته" الموعودة واستدراجه إلى "قفصه" الذهبي...
من خلال الشارع الهادر و"الميديا" ومنابر النخب والتنظيمات الشعبية الاجتماعية والسياسية والكواليس،يتضح بوضوح تعبير حرّ أطاح بكلّ القيود إلا قيدا آخر جديدا انصاع إليه -راغبا أو مكرها-اسمه الخوف من الشعب المنتصر...ذات التعبير أضحى باذلا قصارى الجهد من أجل كسب ودّ النجم المتألق والقائد المظفّر والبطل المغوار والعبقري الملهم ذلك الذي اسمه الشعب،أضحى كذا خطاب يُغازله مقبّلا يده الكريمة ومتمسحا على عتبة كبريائه وشموخه وذارفا الدموع على شهدائه وجراحه ومقرا له بمهارته الفائقة على مراوغة الجميع ومعتذرا له عن سوء التقدير أو اللحاق به متأخرا أو الخذلان أو"الشيطان الأخرس"...
يُخطئ من يعتقد أنّه بالغ مأربه في اغتصاب الثورة بفقاعاته الكلامية أو بتحليلاته الأكاديمية أو برصيد نضاله الشريف أو باعتذاره عن التقصير والخطإ،ويخطئ من يثق في مواهب جاذبيته-حتى إن كانت حقيقية ومعترف بها- لركوب الشعب متصدّرا زعامته،فلا زعامة للشعب غير أهدافه التي حدّدها بوضوح،وغير انحناء كلّ وطني مخلص أمام شرف الثورة وانصرافه الصادق إلى العطاء السخي المثمر بفكر متوقد إبداعا وقلب غامر حبا وصدر لا يضيق بأحد في كنف نكران الذات وتواضع الحكماء...لا زعامةَ اليوم لفرد على الشعب ولا نبوّة لمدّع والانتصار للفكرة لا لمروّجها...لا صنمَ بعد اليوم،ولا مُلهمَ للشعب غير شهدائه.
وتأسيسا عليه،ومن منطلق رؤية متفائلة منحازة إلى التعويل على فطنة الشعب ويقظته وذكائه-في مقدمته شبابه-فالثورة على الطريقة التونسية تؤشر بالوفاء بوعودها اعتمادا على:
-تميّز تونس بنسيج مجتمعي متجانس أثبت تاريخه العريق تغليبه لصوت العقل والاعتدال وقدرته المذهلة على احتواء التناقضات وامتصاص احتقاناتها وتعقيمها من الفيروسات لتتحوّل إلى مجاري تصبّ في نهر صنع التاريخ التونسي ثمرة عطاء مباركة معطاءة.
-الوعي المتزايد بالمخاطر الحافة بها للنيل منها وتشويها بالتحريض على جرّها إلى غير غاياتها النبيلة.
-الالتزام بنفس ذات فنّ المراوغة المتأصلة في الوجدان الشعبي لتفويت الفرصة على كلّ زعامة تتشكل تنحتها نرجسية وهم العظمة الفردية.
-من الخطإ المقارنة بين انقلاب 7 نوفمبر 1987 الذي تم بموجبه انتقال السلطة السلمي من بورقيبة إلى بن علي وبين ثورة 14 جانفي 2011 ،فالأولى أنجزها شخص بمباركة شعب والثانية أنجزها شعب قاد نفسه بنفسه دون إذن من أحد ولا أية عائلة سياسية أو فكرية أو قبلية...الفرد الذي أنجز انقلابا بدعوى الإصلاح يمكن أن ينكث بوعوده-وهو ما حدث فعلا- أما الشعب الذي أنجز ثورته لا يخذل نفسه ولا يتنكر لوعوده ولا سبيل لأحد-مهما كان دهاؤه-إلى الالتفاف على ثورته والنيل من شرفها.
-لئن كانت الثورة على الطريقة التونسية تقيم الدليل على أنّ إرادة الشعب لا تقهر وأنها قادرة على الإطاحة بأعتى الديكتاتوريات،فهي تبقى متفرّدة بخصوصياتها وفعل أقدارها...وهي إذ تفتح الآفاق رحبة أمام الشعوب المقهورة الحرة للتحرّر من خوفها ودكّ الأنظمة القمعية،فهي ليست ذات الوصفة السحرية الجاهزة التي يمكن تصديرها لتحقيق الأهداف نفسها التي حققتها إلى حدّ الساعة الراهنة...القهر هو القهر، لكن مقاومته والانتصار عليه له دروب وشعاب شتى نتلمّسها بمصباح واحد اسمه: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر...لكنّ الطرق الوعرة التي نروم قطعها تستوجب وسائل متنوعة ومتباينة لا تنتجها غير شعوبها الخبيرة بشعابها-"أهل مكة أدرى بشعابها"-...ما يحدث اليوم-مثلا- في مصر يعتمد نفس ذات إرادة الشعب التونسي لكنه يبتدع وسائل نضاله الخاصة به التي هي ليست بالضرورة نفس ذات أدوات النضال التونسية...
لديّ اقتناع بأنّ الشعب التونسي وهو يصوغ ثورته على النحو الذي كانت عليه،كان يستحضر التاريخ من خلال تجاربه وتجارب غيره من الشعوب،فتعمد حرمان نخبه المناضلة من وضعها في واجهة الحدث التاريخي الذي اختار له رمزه شابا شريفا كادحا منحدرا من الطبقة الشعبية الأكثر تمثيلية للمجتمع،والأكثر تضررا من الاضطهاد والحيف (محمد البوعزيزي)،ثار الشعب من أجل البوعزيزي انحيازا وانتصارا لكلّ "بوعزيزي" في هذا الوطن،لكل عزيز بشرف العمل مهما كان متواضعا وبكل عزيز أثبت رفض الظلم بتقديم حياته قربانا للكرامة الإنسانية في أنبل وأسمى أبعادها ... بطل الثورة روح تحلّق في سماء تونس لا شخصا يحيا بين الشعب يطالبه بحمله على أعناقه والتسليم له بالزعامة والتسبيح باسمه...فعلها شباب تونس،كما لم يفعلها غيره،حين راوغ نخبه ورموز نضاله فضلا عن جلاديه وبطانتهم والمستسلمين لهم،فصنع الحدث في غيبة البعض وغيبوبة البعض الآخر... لم يكن راغبا ولا محتاجا لقيادة توقّع على ثورته سوى روح البوعزي وبقية الشهداء لأنه كان يخشى أن تفرز له صنما يتحوّل إلى إله يعبده وهو الذي ثار من أجل التحرر من عبادة الأصنام واستبدادهم...فعلها الشعب فأجهض خطط النخب السياسية في الحكم والمعارضة حتى لا ترتهنه فتستعبده،وفرض عليها،بكل مشاربها وأهوائها وإيديولوجياتها،أن تعترف أنها مهما ادّعت البطولات والتحديات هي ليست إلا انخراطا في مسار إرادته للحياة يتقدمها في الفعل التاريخي الحاسم ولا تتقدمه حتى لا تدّعي يوما أنّها صنعت ثورته وأنه لولاها ما كان ليثور على الاستبداد والفساد.
اختار الشعب أن يثور من أجل شاب كادح شريف لا علاقة له بالحراك السياسي في البلاد،شاب من رحم أغلبيته الساحقة قرر بقرار فردي أن يحتجّ على القهر والفساد والتهميش،أن يثور بإشعال النار في جسده أمام مقر السلطة الحاكمة مشهرا بامرأة هانته وعنفته بما يسمح بالإسقاط على تعنيف "حاكمة قرطاج" وحاشيتها لديكتاتور كان قادرا على قمع شعبه وعاجزا عن ردع زوجته.