فبراير 24، 2012

تأمّلات في المؤسّسة الدينية في تونس





عزالدين عناية
ع
أستاذ تونسي بجامعة لاسابيينسا في روما
زالدين عناية
http://www.azzaman.com/index.asp?fname=2012\02\02-24\779.htm&storytitle 
الترقّي بالوعي الديني في تونس ليس أمرا هينا، لأن المسألة تمسّ القطب ومريده والمعلّم وتلميذه. فالفكر الديني، في الجامعة أو في الجامع، مرهَق ومنهَك، والحال في المحصلة نتاج تجفيف ساد علي مدار عقود حوّل البلاد الي قفر خاو. ما جعل المجتمع، قبيل اندلاع الثورة، يوشك أن يتهدّده مرض فقدان المناعة الدينية، التي لا تزال آثارها بادية الي يوم الناس هذا. فمن فرط عياء الوعي ما انفك يهتزّ لكل ناعق، مستوطن أو وافد، وان كان ممن ينبغي أن يفقَّه ويدرَّب ويُعلّم ويؤدَّب.
صار الادراك الديني، مع مدّعي التديّن وشاهري اللاّتدين، قصير النظر قليل الأثر، وقصّة نعمان الآرامي توجز ذلك القصور، بالتساوي لدي الذين اُتُّبِعوا ولدي الذين اِتّبَعوا. فكما ورد في سفر الملوك الأول، يُروي أن نعمان لما قدِم الي أورشليم للتداوي تهوّد ودان بدين اليهود، ولما شدّ الرحال عائدا الي موطنه احتار في أمر عبادة يهوه، فما كان من حكماء بيت الرب الاّ أن أفتوه بالتزوّد بحِمل بغلين من تراب الأرض المقدّسة لينثره عند موضع عبادته، وعنده يسجد ويقدّم قربانه لربّه، فسيتقبّل منه طالما أنه يقف علي أديم الأرض المقدّسة. هذه القصّة تعطي فكرة بيّنة عن التصوّرات الدينية القاصرة أحيانا لدي المفتي والمستفتي. لذلك ما لم ينفتح الفكر الديني في تونس الجديدة علي المقاربات العلمية وينهل من معينها الصافي: علم الاجتماع الديني، الاناسة الدينية، علم الأديان، لهاويت الأديان وغيرها، ويخرج من المشاحنات الديماغوجية، التي أدمنها العقل الخامل علي مدي عصر الظلمات الدكتاتوري حتي استنزفت قواه، فسيبقي محدود الوعي بذاته وبما يدور حوله في العالم.
ضمن هذا السياق الذي نعيد فيه النظر في المؤسسة الدينية كرّة وكرّتين وأكثر، تلوح بليغة تلك الكلمة التي قالها الأستاذ مالك بن نبي (1905ــ1973م) بشأن الزيتونة، لما سأله أحد تلاميذه هل يمكن للجزائر وقد استقلّت وأسّست التعليم الأصلي وجامعة الأمير عبد القادر أن تحلّ محلّ تونس مركزا حضاريا في المنطقة؟ فأجاب الرجل: ان المراكز الحضارية الكبري في تاريخ كل حضارة لا تقوم ولا تختفي في يوم. لكن رغم قيمة ذلك الرأسمال الرمزي الذي نقف عليه منذ قرون، ففي الراهن الحالي لا يمكن الحديث عن مؤسّسة دينية فاعلة ورائدة، وان حضرت رمزية الزيتونة متوارية في الظل؛ بل هناك دكاكين تروّج لبضائع دينية أغلبها فاقد الصلوحية. والمشكلة عائدة في عمقها الي أن البنية السياسية خلال العقود السابقة حالت دون ظهور الفكر الديني العلمي، ومن ثمة المفكر الديني الرشيد والعالم الديني النبيه. وبالتالي، عزّ في حاضرنا تواجد صفوة تستبطن ثقافة دينية رائدة في مستوي اللحظة التاريخية التي نعيشها، فقد ضرب الانحطاطُ الفكرَ الايماني والفكر العلماني علي حدّ سواء.
عطفا علي ذلك، حين يطّلع المرء علي العمل القيّم الذي أنجزه الدكتور علي الزيدي المعنون بـ: "الزيتونيون: دورهم في الحركة الوطنية التونسية 1904/1945" والمنشور في تونس، يدرك الثقل الحضاري لتلك المؤسسة في تاريخ تونس الحديث، بيد أن ذلك الحضور البارز، بعد نصف قرن، أوشك أن يتلاشي. لذلك ليس الزواتنة [الزيتونيون] فحسب من هم مدعوون الي قراءة تاريخ ذلك المعقل، بل كل الذين يؤمنون أن الزيتونة خميرة تلك الأرض وملحها، أو من لا يؤمنون أيضا. منذ فترة أحاول أن أرصد الحضور الفكري والديني والاعلامي للزيتونة في خضمّ الحراك السياسي الذي هزّ بلدنا عقب الثورة، غير أني لا أكاد أجد له أثرا، ما عدا بعض المداخلات المتناثرة هنا وهناك، تلوك لغة مغتربة وتكرر مقولات لا تشفي غليل الناس. فان كانت "العلوم الدينية" التي تُستهلك في المعاهد الجامعية العليا غير قادرة علي ادراك منطق الثورة، ومواكبة حسّ الناس، ورصد مسار العالم، فهو الدليل علي اغترابها عن شعبها وزيغها عن سبل ربها. لذلك أراني كلما تصفّحت مجلة "المشكاة" [الصادرة عن جامعة الزيتونة] أتساءل أوتمثِّل نبراسا لتنوير العقل الأكاديمي؟ وبالمثل رديفتها مجلة "الهداية" "الصادرة عن المجلس الاسلامي الأعلي"، أتساءل أيضا أوتهدي الناس في زمن ما بعد الحداثة؟ فبتقديري أن الزيتونة، ممثّلةً في جامعتها الحزينة وجامعها الواجم، قد باتت أمام خيار حاسم وصعب، امّا أن تتجدّد أو تتبدّد. فسابقا كان التواري خلف معاذير جمة: البورقيبية خصيمة الدين، حزب فرنسا الغالب، الطغيان... وهلم جرّا، وأما اليوم فيجد العقل الزيتوني ذاته في العراء التام في مواجهة مصيره وقدره.
لقد باتت ثقافة الاستحمار الديني، بتعبير المفكر الايراني الراحل علي شريعتي، هي الرائجة، مع يقيني أن الاسلام الحنيف ليس أساطير سابقين أو لاحقين، وليس خرف أهبل، كما يهوي ضعاف النفوس أو الذين في قلوبهم مرض. فالثقافة الدينية في تونس، مدعاة لغمّ كبير، لما فيها من انحسار للحس العقلي وهوس بالخوارق والكرامات. والحقيقة أن تونس ان كانت تتطلع فعلا الي نهضة حضارية، فلن يكون ذلك ببخس العقل حقه والتعويل علي نقيضه، لأنه ما لم يبنِ العقلُ البيتَ، باطلا يتعب البنّاؤون.