من أهمّ الأسباب التي كانت تُساق لتبرير مشاعر الكراهية المتزايدة التي تشعر بها الشعوب العربية إزاء الإدارات الأمريكية المتعاقبة هي دعمها لأنظمة الحكم الدكتاتورية وعداؤها للإسلام أو التوجّس منه وإلصاق تهمة الإرهاب به حتى أضحى مصطلح "الإسلاموفوبيا" من أكثر المصطلحات استعمالا وتسويقا،ضمن سياق يخدم أغراض دعاة نظرية صراع الحضارات على حساب أطروحات الحوار بينها...
ما من شكّ في أنّ دعم أميركا للحكم الفردي الشمولي في العالم العربي وحتى في أميركا اللاتينية كان لغاية تأمين مصالحها وحلفائها بما في ذلك استخدامه لتعزيز حربها ضدّ ما سُمٍّي بالإرهاب،تلك الحرب التي أفضت إلى نتائج كارثية ما تزال آثارها مُرَوِّعة كما الحال في الصومال وأفغانستان والعراق واليمن وفلسطين...إلاّ أنّ ذات النتائج لم تتأذّ منها شعوب الدول المستهدفة فحسب بل تعدّتها لتُنْهكَ أميركا ومناصريها عسكريا واقتصاديا دون أن تتحقّق الأهداف التي رامت بلوغها الدولة الأعظم...بل إنّ الخسارة كانت أفدحُ إذ تقوَّض لدى الشعوب المستضعَفَة ذلك الاعتقاد الذي يرى في الحضارة الغربية حضارة إنسانيّة راقية تقوم على الحرية والعدالة والديمقراطية وناله التشويه وخفت بريقه وضعفت حجّة المدافعين عنه.
إزاء واقع الحال كان من البديهي الاستفادة من الدّرس واستخلاص العبر ثمّ طرح السؤال:ما العمل ؟...
الشعوب العربية انتهت لاعتقاد يكاد لا يعتريه شكّ بأن الغرب بزعامة أميركا يُناصبها العداء بانحيازه إلى حكّامها المستبدّين عوض الانحياز لها وبتعمّد الإساءة لإرثها الحضاري وتشويه الإسلام والدّفع بمعتنقيه إلى التطرّف وكراهيّة الآخر المختلف..وعليه ليس أمامها إلاّ أن تُعوٍّلَ على قدْراتها الذاتية لتغيير أوضاعها بدءا بالإطاحة بحكّامها الطغاة العملاء للغرب...مِنْ ثمّة جاءت ثورة الشعوب العربية فيما سُمّيَ بـ"الرّبيع العربي"...
أما أميركا المهيمنة على العالم فلا يُمكن أن تكون غبيّة إلى حدّ أنها لا تقدر على تفكيك شفرة هي في الأصل مفكّكة...لا يُمكنُ ألاّ تكون مدركة أنّ الزلزال العربي قادم وأنّ الحكّام العرب الذين تدعمهم أضحوا عبئا عليها أكثر من قدرتهم على خدمة مصالحها وأنّ الشعوب العربية غدت تكرهها وتشكّ في نواياها تجاهها وأنّ الإسلام المعتدل والمستنير بات يترك الكثير من مواقعه لإسلام متطرّف جهادي يعتبر أميركا "الشيطان الأكبر"...
أليس بالإمكان أن يتجمّلَ "الشيطان الأكبر" ليظهر في شكل ملاك أو أن يتوب عن غيِّه ويُكفّر عن أخطائه ؟...بل أليس من الإنصاف القول أنّ أميركا أثبتت،اليوم،صدق نواياها من خلال مدّها لجسور التواصل مع الشعوب العربية مُتنكّرة للدكتاتوريات التي كانت صنيعتها ومُغازِلةً للإسلام بالتّصالح مع رموزه السياسيين واحتضانهم إلى حدّ تشجيعهم على التربُّع على عرش السلطة في أوطانهم حتى إن كانوا "طالبان" في أفغانستان...ألم تُغيِّر أميركا جلدها منذ ذلك اليوم الذي قبلتْ فيه برئاسة زنجيّ من أصول إفريقية وإسلاميّة عليها ؟... بل منذ ذلك اليوم الذي تشكّل فيه ذلك المنبر الإعلامي الضّخم الذي اسمه فضائية "الجزيرة" والذي بفضله باتت فنون إعلام الغرب الديمقراطي تنطق بلغة الضاد...
لئن اندلعت الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن و... بفعل الغضب الشعبي المكبوت الذي انفجر،فإنّ أميركا الدولة الأعظم المهيمنة لا يُمْكنُ ألاّ تستشعر نبض العالم ومخاضه وألاّ تتعامل مع أحداثه وفق الدروس التي استخلصتها والأهداف التي سطّرتها...
لكن ما هي تلك الأهداف،وبالذات في عالمنا العربي ؟...
لعلّ طرح ذات السؤال "اللعين" هو الذي يُنغّص على الشعوب العربيّة،اليوم،رغبتها الجامحة للبوح بحبّها الذي طالما رغبتْ المجاهرة به مُتبادلا مع "الحبيبة" أميركا...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق