إرادة شعب
لم يكن بإمكاني التواصل معكم بالكلمة،ذلك أنّ الحدث كان لا يحتاج إلى كلام ليُفصح عن هويّته وأهدافه-أعني بذات الحدث الذي ترجم،ولا يزال،عن إرادة الشعب التونسي بقيادة شبابه،لا نخبه بكلّ أطيافها الفكرية والسياسية،والذي تفاعل معه-تقريبا-الجميع دون استثناء داخل الوطن وخارجه...
أحسب أنّ الثورة على الطريقة التونسية فاجأت الجميع صياغة وتوقيتا،لكني لا أعتقد أنها فاجأت المستضعفين المقموعين في كلّ أرجاء العالم وبخاصة العالم العربي والإسلامي من حيث أنها فعل طبيعي في مواجهة الاستبداد والفساد...كان يُمكن أن تحدث قبل توقيت اندلاع شرارتها أو بعده،في تونس أو في أيّ مكان آخر من الوطن العربي،لكنّها اقتنصت لحظتها التاريخية الفارقة انطلاقا من حادثة تختزل عمق المأساة- تبدو للكثيرين غير لافتة للانتباه لكثرة المنتحرين يوميا قربانا للحرية- حادثة فردية تتراءى للملاحظ أنها فردية ومعزولة،فإذا هي تتحوّل إلى حدث تاريخي يأخذه إلى منعرج مفصلي نراه لا يعني تونس لوحدها...
كنتُ أستشعر الزلزال قادما إلى الوطن العربي،لكني أعترف أني رشحتُ لاندلاع شرارته الأولى غير وطني تونس(راجع مقالاتي بهذه المدونة-مثلا:شعوب الخبز والأمل)،هذا الوطن الذي أعرف عن حقيقة معاناته الكثير وأتجرّعها علقما وهي بالأساس الاستبداد والفساد...
ربما أجد نفسي اليوم مدعوا إلى الاعتذار للعرب على ما قد أكون آذيتهم به من لاذع التقريع(راجع ما كتبته في هذه المدونة) في الوقت الذي كان عليّ أن أشهّر بذاتي التونسية التي هي في المحصّلة جزء من الذات العربية،وأنّى لي ذلك؟...أسارع بغلق القوس على أمل أن أتخلّص من ضغط المخاض الوطني الواعد الذي نعيش على وقعه والذي أراه يفرض عليّ أن أعيش على وقعه من منطلق الوعد الذي قطعته على نفسي بأن أستهلّ سنة 2011 بشعار"الأمل هو الحل" (أذكّر بأنه عنوان الكتابة التي دونتها قبل هذه الخواطر التي قد لا تحكمها ضوابط كنت تقيدت بها)
أمضي لأقول:
في الوقت الذي يركب فيه كل التونسيين نفس السفينة فإنه يكون من الخطإ الاعتقاد أنّ هناك من راكبيها مَنْ هو في مأمن من العاصفة اللهم إلا نفر قليل من الغواصين ذوي القدرات الرهيبة على مناورة العواصف،وهؤلاء إن وجدوا فهم استثناء-و"الشاذ يُحفظ ولا يقاس عليه"-...التونسيون اليوم -بلا استثناء-معنيون بإخماد الحريق...لكن ما السبيل إلى ذلك وذات الحريق يستوجب وسائل تدخّل ومعالجة غير تلك التي اعتدنا اعتمادها كلما اندلعت ألسنة لهب منذرة بالخطر؟..إنّ ما حدث أفصح بوضوح عن احتقان شعبي مكبوت انفجر ملتهبا وتحوّل إلى حريق اتسعت رقعته في أرجاء الوطن دون أن نقدر على إخماده بل حتى على تطويقه،وهذا يعني أنّه،في الوقت الذي كنا نعتقد أننا بصدد صبّ الماء على النار،كانت قنوات الضخّ معطّلة لأنها لم تُتعهّد بما تستوجبه الصيانة الناجعة فضلا عن أنّ كمّية الماء المضخوخة لم تكن بالقدر الكافي لتفعل مفعولها المطلوب.أما من استشعر الانحدار إلى الهاوية وأعوزته الحيلة من أن يفعل شيئا غير كتابة كلمة،فلعلّه امتنع عن ذلك ملتمسا لنفسه عذرا في القول بأنّ "الأحداث أعلى صوتا من الكلام"،ذلك أننا لم نكن أمام إنذار بالخطر بل كنا في أتونه يُهدّدنا بالإتيان على الأخضر واليابس فالغضب الشعبي ،الشبابي منه بالخصوص،كان مزمجرا كأمواج البحر العاتية...ولعلّ الكثير من التونسيين لم يجدوا من سبيل سوى الابتهال إلى الله من أن يحفظ البلاد من مستقبل أسود ذلك أنه ليس أخطر على الأوطان من وقوعها في قبضة عفريت المجهول،
وكان السؤال:هل من سبيل لذلك والحال على ما هي عليه اليوم؟
كلّ من يرومون قراءة الأحداث بموضوعية مستندين إلى تاريخ تونس القريب منه والبعيد تجدهم مفعمين بالأمل في تلكم القدرة العجيبة المدهشة التي يمتلكها التونسيون في الانحياز بقوّة إلى خيار الحوار والتوافق من أجل المصلحة العليا للوطن ،وهو خيار ألحّت عليه كلّ قوى المجتمع ،بين أطيافهم تسابق لغاية اللحاق بذاك الذي فرض التحدّي بعد أن راوغ الجميع،في الداخل والخارج، بفتوته وتسلحه بالعلم والمعرفة وسيطرته على تقنيات العصر الحديثة وإصراره على أن ينخرط بقوّة في خدمة وطنه بدمائه المتدفقة فوّارة في شرايينه النابضة بشغفه بالحياة التي لا يراها إلا توظيفا لطاقاته الخلاقة شغلا وكرامة وتألقا وتفوّقا،إنه شباب تونس الذي أودعته المجموعة الوطنية كلّ أمانيها وحمّلته مسؤولية المنعرج التاريخي لتونس المستقبل المشرق.
إلا أنّ الواجب الوطني المقدّس له إملاءاته الصارمة التي تستدعي التقيّد بها والانتباه إلى أنها لا تحتمل البتة مراوغتها،هذه الإملاءات كثيرة ومتشعبة ومعقدة،لعله من أوكدها القول أنه ليس مطلوبا،اللحظة،أن نسرد الأحداث بدم بارد،فهذا شأن من لا يقبض على الجمر،يهمنا أن يعلو مدويا صوت العقل والحكمة في هذه الأجواء الخانقة بعاطفة غاضبة ملتهبة أججتها دماء ما كان يجب أن تسيل. إنّ دماء الشهداء التي صنعت الحدث التاريخي تحمّل اليوم النخب،بالدرجة الأولى وبكل طيفها السياسي والفكري،مسؤولية فهم رسائله المتلاحقة المتسارعة كما هي واضحة لا تحتمل التأويل،وأحسب أنها تُعفي من يُرهقون أنفسهم في تحليلها وتشريحها في مخابر التحليل المعتادة والحال أنّ "ثورة تونس" عصية على أدوات التشريح والقيس والتحليل المألوفة،بل هي تؤسس لتجربة فريدة...
استحضارا للحكمة التي تقول"من نظر العواقب سلم النوائب" أناشد:
- الحيلولة دون أن تسيل دماء أخرى بكلّ الجهد الصادق،بكلّ الحسّ السياسي والاجتماعي المسؤول،بكلّ فيض الحبّ الغامر للوطن المفدّى...فتونس ليست في المزاد العلني للبيع لأيّ كان مهما توهّمت أيّ جماعة أنها ارتهنت قدر الشعب،أو تلك التي يُخيّل إليها أنها تستعدّ لارتهانه،رسالته أبلغ من أيّ تعبير لا يشوبها لبس ولا تحتمل تأويلا،تقول بوضوح: لا للفساد والمحسوبية،لا لإهدار الثروة الوطنية البشرية والمادية، نعم للخبز والأمن والوفاق والحرية في ظلّ الكرامة الوطنية.
- الانحياز بقوة لخيار نهج الحوار من أجل صواب القرار برّا بشعب أبي.
- امتناع كلّ ألوان الطيف السياسي عن التكلّم باسم الشعب،فهذا الأخير لم يُفوّض أحدا ولا يريد أن يفوّض إلا الخيار الديموقراطي.
- التشديد على أنّ الثورة التونسية بادر بقيادتها الشعب بنفسه دون "قائد منقذ" بعد أن جرّب "القيادة المنقذة" سنة 1987 التي تنكرت لوعودها وخانت شعبها،وهو يصرّ على ألا يغتصب شرفها أيّ داعية مهما كانت وطنيته وصدقه ومواهبه السياسية،هو غير راغب في حرية يمنّ بها عليه فرد يُسبّح بحمده تمجيدا لبطولاته وكرم عطائه...
يجب أن نضيف أنّ تاريخ تونس علّمنا درسا خصوصيا مفاده أنّ العبرة ليست بثمن التضحيات الباهظ الذي يجب أن ندفعه من أجل تحقيق إرادة الشعب،إنما بإنفاق أقلّ تكلفة لكسب أوفر حصاد بفضل ذكاء التونسيين وفطنتهم وحذقهم لفنون التوظيف والتسويق لبذرهم الصالح في تربة وطنهم المعطاء...إني على يقين أنّ الثروة لن تجهض وأنّ ثمارها سيجنيها كلّ التونسيين وسيستفيد من تجربتها كلّ من يريد أن يستفيد،وإن كنا لا نهتمّ بتصديرها لأيّ بلد خارج حدودنا ليقيننا أنّ لكلّ بلد ظروفه وخصوصياته وعبقرية شعبه...
أختم بالقول:"لقد ثأر الدم من السيف"،سيف القمع والقهر وتحرر الشعب التونسي من الخوف وانكبّ اليوم على بناء مستقبله بثقة في قدراته الهائلة على الانتصار لصوت العقل والحكمة،وهو الصوت الذي يتعالى اليوم على غيره.