أكتوبر 24، 2010

النزعة الانفصالية خطر داهم


النزعة الانفصالية خطر داهم

ما من شكّ في أنّ الخطر الدّاهم على الدّول العربية وغيرها من تلك المتسكّعة على هامش الفعل الحضاري هو خطر فرقعتها من الدّاخل بتغذيّة النّزعة الانفصالية لاعتبارات طائفية/عرقية/إثنيّة ثقافية...يحدث هذا في الوقت الذي أثبت فيه الغرب الحديث أنه استفاد من تاريخه المظلم فأعاد صياغته بكيفيّة حوّلت عاره إلى مصدر من مصادر قوّته وتفوّقه.ويكفي للتّدليل على ذلك أن نستحضر،على سبيل الذكر لا الحصر،تاريخ الصراع الطائفي المذهبي المسيحي (الكاتوليكي/الأورتدكسي/البروتستنتي) بكلّ جرائمه البشعة لنتبيّن ضخامة الجهد الذي بذله الفكر الإنساني الغربي في عصر أنواره ليُعالج آثار عصور انحطاطه وبدائيّته.لقد كانت نهضة الغرب تتعاظم-لزمن غير بعيد-كلّما انشغلت بتصحيح مسار تاريخها الخاطئ الناتج عن الميز العنصري والنّوعي والتعصّب العرقي والديني والثقافي...وما يُحسب للغرب هو فضله في الاهتداء إلى نمط حكم حديث استطاع أن يُبهر بتحويله أسباب فتنه الداخلية وتمزّقه إلى تنوّع خلاّق وتفوّق ووحدة.                                                                                          
الخطر ليس في التنوّع والاختلاف إنّما في التّعصّب،والتّعصّب غريزة بدائيّة تتحوّل إلى معول هدم وتدمير وإلى انطوائية وانعزالية متى كانت نتيجةً للتهميش والحيف.                                            

ودون تعميم،بخصوص الشأن العربي الرّاهن،نسوق منه الأمثلة الأكثر وضوحا في التهابها:            

   * لوقت غير بعيد كانت الأحداث التي تتفاعل في لبنان تُزوّدنا بمفهوم صريح وشفّاف  لما تعنيه الطائفية،فهي طائفيّة معلنة في بلد صغير مساحة وسكانا وثروات طبيعية،لكنّ هذا البلد الذي راهن دستورًا وشعبا على التنوّع والاختلاف في نسيجه البشريّ لم يسلم من هزّات وحروب أهلية هدّدت كيانه بالتّمزّق بل حتى بالاضمحلال،إلى حدّ أننا درجنا على استعمال مصطلح "اللّبْننة" في اشتقاق يعني الشقاق والتّشرذم دون أن نُضَمِّنه أيّ إيحاء إيجابي (وهذا حيف). كان لبنان الذي لا يتّسع لغير وطن واحد،على إثر كلّ زلزال طائفي يدُكُّه دكّا وعلى إثر كلّ محنة تُداهمه وتهدّد وجوده،يتحامل على أحقاده وجراحه من تحت أنقاض الدّمار والضّحايا ليُعاود البناء وليتعافى من جديد بما يُبقي على الأمل قويّا في أنّ الطائفيّة يُمكن أن تتحوّل داخل الوطن الواحد-حتى إن كان عربيا- إلى مصدر قوّة وثراء...كانت للبنان،ولا تزال، قدرة عجيبة على جمع أشلائه والتحامها في جسده الواحد من جديد،رغم كيد الأعداء والأشقّاء...                                                                            

لوقت غير بعيد،إذا ما استثنينا لبنان،لم تكن تصلنا تهديدات جدّيّة بسبب الطائفية أو العرقية أو الاثنيّة في هذا البلد العربي أو ذاك،أو فلنقل أننا لم نكن لنحمل بعضها الذي نقتنصه،رغم التعتيم عليه،محمل الجدّ في ظلّ "نعمة" الحلم بالوحدة العربية...                                                                 

* حتى اليمن المنشطر إلى "يمنين" كنّا نراهن على أنّ انشطاره فعلٌ ضدّ مسار التاريخ لن يصمد،واعتقدنا أنّنا على صواب لمّا عاد"اليمنان" إلى جسم واحد(1990) على يد ذات الرّئيس الذي يبدو اليوم-قبل انتهاء ولايته المديدة- كمن يُدْعى إلى مراسم انفصال"اليمن السعيد" الذي وحّده،لا إلى شطرين،بل ربّما إلى ما هو أكثر فداحة بعد أن انحسرت إرادة التغيير فتفنّن أمراء الحرب والحشيش والطائفيّة والقبليّة في تمزيق الوطن إلى إرَبٍ لتنقضّ عليه كواسر أجنبيّة نهمة من أجل..."يمن سعيد" جائع بلا إرهاب.ا وإزاء الدّهشة التي تتملّكنا من هذا التّفوّق العربيّ في التدمير،ربّما عجبنا لعدم ثأر شموخ تاريخ اليمن وكبريائه لنفسه...                                                                                 
*لكن ما عسانا نقول اليوم ونحن نرى ما لا نكاد نُصدّقه في العراق من فتنة طائفية ونزعة عرقية انفصالية،والحال أنّ العراق في عهد القبضة الحديدية للرّئيس المخلوع الرّاحل صدّام حسين كان ينعم بالوفاق والأمن والاستقرار والوحدة الوطنية؟                                                                        
ما من إضافة في القول أنّ واقع الحال في العراق من تدمير وحذق لكل فنون القتل هو نتيجة   للاحتلال الأجنبي،الأمريكي تحديدا،وهي إجابة لا تُجانب الصواب لكنّها تُهمل نصف الحقيقة التي تختفي وراء سوء الإدارة السياسية في عهد ما قبل الاحتلال الأجنبي الرّاهن،وهي ذات الإدارة التي استفادت بالتعتيم على حكمها الاستبدادي بالتعويل على أقلّيّة عشائريّة وطائفيّة وباعتماد الإقصاء والتهميش  والحيف في حقّ أغلبية الشعب الذي ما إن جاءته فرصة الانفجار إلاّ وانفجر حتّى وهو يُدرك تمام الإدراك أنّ الذي وفّر له فرصته المنشودة،يتربّص به شرّا...وهكذا كان مفهوما في ظلّ فوضى عهد الاحتلال أن تستيقظ الأحقاد الطائفيّة والعرقيّة بتعلّة الثأر للكرامة المهدورة.أمّا إيران الثورة فمن البلاهة أن نطلب منها"التّعفّف" بالتّفريّط في فرصة تحصين مستقبلها-على الأقلّ- من حرب عبثيّة مدمّرة قد تطرأ كتلك التي أنهكتها طيلة ثماني سنوات ضدّ نظام صدام حسين المدعوم بأميركا وأنظمة عربية...أماّ "صدّام"-شئنا أم أبينا- فإنّ قدره أن آل مصيره ومصير زعامته إلى ما آلاَ إليه.وما يعنينا راهنًا أنّ خطر الفتنة والخراب والتجزئة ما يزال يتهدّد العراق الشيعي/السني/المسيحي...والعربي/الكردي...             
* لوعرّجنا على حال السّودان مع جنوبه،فسنقف على مشارف استفتاء يُقرِّر فيه هذا الجنوب،عاجلا،إمّا الانفصال عن الوطن الأمّ أو الوفاء لوحدة فقدت روحها. قيادةُ الخرطوم-وهي المسلّط عليها سيف محاكمتها دوليا على جرائم حرب متّهَمةً بارتكابها في حقّ مواطنيها- تبدو كمن يسترجع ذكريات ضياع الملك،فقيادتها،ذات العمر الطويل،تبدو مرتبكة،لا تقدر على دحض تهمة المعالجة غير الموفّقة لأعاصيرها العرقية والدينيّة والإثنية شديدة التعقيد التي ما كانت لتستعصيَ عليها لو ثبتت نجاعة"الحكمة التّرابيّة(التّرابي)/ البشيريّة..." تَحْصينًا للوطن بوحدة شعبه،وبوحدة شعبه-لا غير- في وجه القوى الخارجية التي كانت تغذّي فتنه،في السّر والعلن، منذ عقود.                                       
أمثلة أخرى يمكن أن نأتي عليها كالصومال الذي لم نعد نرغب في ذكره لأنّ أحزاننا الكثيرة لم تعد تتّسع لذوبانه...وحتّى المغرب العربي المعروف بتجانس تركيبته السكّانيّة تبدو اليوم بلدانٌ منه ليست في منأى عن نزعة انفصاليّة تُغذّيها بذور فتنة إثنيّة ثقافيّة لغويّة وما شابهها...                                   
العجب العُجاب أنّ الدّاء القاتل الذي تُعانيه الكثير من الدول العربية في تنوعها هو الدّواء الذي استعملته الحضارة الغربية الحديثة لتحقيق تفوّقها بعد أن أرست أنظمتها على مفهوم متطور للمواطنة يقوم على الحرية  والمساواة في الحقوق والواجبات والعدالة ونبذ الحيف والقهر فأثبتت أنّ أيّ شعب مهما تباين نسيجه الاجتماعي يلتقي على حب الوطن والوفاء له متى احتُرِمت خصوصياته  وحُفظت كرامة أقلّياته في ظلّ حكم رشيد لا يُقصي أحدا،ويُوفّر للجميع حظوظا متساوية في الاستفادة من ثروات الوطن...        أمّا الغرب ،إن انتكس وعاودته أمراضه القديمة فذلك-ومن حيث لا يُدرك-بسبب تماديه اليوم في التبرير للإقصاء والتهميش لأقلّيّة من أقلّيّاته بتعلّة الإرهاب أو الخوف من الإسلام أو ما شابه ذلك من تمييز عنصري بغيض.                                                                                                     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق