أغسطس 28، 2011

الانتقال الديمقراطي أو تعاطي العلاج من الاستبداد



لا سبيل للعبور لـ"العصر الديمقراطي العربي" دون المرور بما يُسمَّى بمرحلة "الانتقــــــــــال الديمقراطي"...الديمقراطية ليست وصفة سحرية جاهزة ما إن تستعملها الشعوب التي ثارت على الاستبداد وعانت من آفاته المدمّرة حتى تتعافى من مخلّفاته وتبعاته وتدخل بقدرة قادر لعالم الحرية الرحب...لا مناص من التّداوي من النّدوب الغائرة التي تركتها الدكتاتورية في جسم المجتمعات التي كانت تعاني منها،لا بدّ من جسر تُشيّده وفقا لخصوصيات بيئتها لتعبر عليه إلى عصر الديمقراطية،لا بدّ من مرحلة "الانتقــــــــــــــال الديمقراطي"...
لكن ما "الانتقال الديمقراطي ؟
 لكثرة ما وقع استعمال هذا المصطلح في موضعه وفي غير موضعه فقدَ ذات التعبير معناه وتأذّى من سوء الاستعمال بما في ذلك تطويعه لغير غرضه واهترأ بمفعول الترديد المكثّف له إلى حدّ أن بهت وهجه وبريقه فلم يعد مشحونا بذلك المضمون الذي يتوقّف عليه نجاح العبور من الدكتاتورية إلى الديمقراطية...
أقترحُ تبسيط مفهوم "الانتقال الديمقراطي" بالتعريف التالي: تعاطي العلاج من آثار الاستبداد.
هذا يعني ابتلاء شعوب بالاستبداد وتجرّعها له علقما ثمّ الثورة عليه والإطاحة بمنظومته أو رموزه فالانكباب على معالجة آثاره بوصفة علاج اسمها "الانتقال الديمقراطي"...
من ثمّة نطرح سؤالا مُلحّا لتكون إجابته واضحة لا يعتريها لبس.
أمّا السؤال: مَن المعنيّ بتعاطي العلاج من الاستبداد ؟
لا يجب أن تتيه الإجابة أو نُميّعها في افتراضات لا طائل من ورائها. يجب أن تكون قطعيّة بالقول:" كلّ أبناء الوطن الواحد الذي عانى الاستبداد معنيّون بتعاطي العلاج من آثاره دون استثناء...الجميع ضحايا الاستبداد بوجه أو بآخر:
في البلدان العربية الثائرة التي رفضت شعوبها الاستبداد فثارت عليه ونجحت في الإطاحة به،ما كان لها لتحقّق غايتها لولا تأصّل نزعة التحرّر والانعتاق الفطرية فيها وفساد الحجة التي تأسس عليها الاستبداد...بصفة عامة الإنسان بطبعه لا يقبل باستعباده وارتهان إرادته إلا تحت ضغط قوّة قاهرة تُعييه حيلة مقاومتها.
إلاّ أنّ ذات الشعوب الثائرة على الطغيان لا يستوي أفرادها في نفس المرتبة من حيث القدرة على المقاومة والمجاهرة بالرفض وحتى طريقة إتيانه لأسباب تجد تبريرها في الأفراد أنفسهم وفي الظروف الحافّة بهم...ذلك أنه-مثلا- قد يضعف استعداد المستفيد من المنظومة الاستبدادية أو المستدرج إلى الاستفادة منها على مقاومتها من ذلك الذي:
- ينأى بنفسه عنها ويرفضها جملة وتفصيلا لأسباب شتّى أبرزها قناعات عقائدية راديكالية.
- يرغب في الانخراط فيها فلا يجد مدخلا للولوج إلى إغراءاتها فيقوى لديه الاستعداد لمقاومتها(المنظومة الاستبدادية)
- يحترف الرفض والمقاومة كمرتزق حتى إن كان المقابل على ذلك مجرّد وعود مؤجّلة يُمنّي النفس بها وهو يتلظّى على الجمر...
لا يجب أن نتّهم كلّ من لم يُقاوم الاستبداد بأنه حليف له فليس ثمة من يقبَل به إلا مرغما أو مضطرّا وذلك حال ما نُسمّيه بالأغلبية الصامتة التي تشغلها هموم الحياة وضغوطاتها اليومية فتنصرف إلى الانشغال بها في محاولة للتخفيف من إذلال الطغيان لها بالبحث عن الظفر بالمغانم التي قد تُساعدها من تقليص آثاره السلبية عليها بما تمتلكه من مكانة في المجتمع على حساب المضطهَدين منه...
خلاصة القول أنّ الاستبداد يُطاح به حين تنخرم موازين القوى لغير صالحه،أي أنّ الذين جاهروا بمقاومته والذين لم يُجاهروا بذلك والذين نخروه من الداخل-جميعهم- يرفضونه لأنّ الإنسان بطبيعته يرفض العبودية...
لكن كيف يكون الانتقال الديمقراطي وصفة للعلاج من الاستبداد؟
يكون كذلك بالإقرار بأنّ المجتمع بكلّ مُكوّناته الذي تحرّر من الاستبداد للتّوّ يُعاني من آثاره السلبية:  
- ذلك الذي قاوم الدكتاتورية وتلظّى بسياطها وبقي جرحه نازفا حتى بعد الإطاحة بها،لم يُشف غليله مجرّد تفكيك منظومتها وإبطال مفعول أذاها
-والثاني الذي كان متواطئا معها-وربّما لا يزال-لأنّه كان مستفيدا من فتات "غنائمها
-والثالث "المحايد" الذي نأى بنفسه عن الصراع واكتفى برعاية مصالحه الشخصية بعيدا-قدر الإمكان عن الانحياز للأوّل أو الثاني.
جميعهم يشكون من مخلّفات الاستبداد وتبعاته:
-الأول بنية قصديّه أو بغير وعي منه،وتحت تأثير جراحه التي لم تندمل بعد،يجد نفسه ميالا للثأر ممن ساعد،بأيّ شكل من الأشكال،على اضطهاده حتى ذلك الذي صمت و"لم يُغيّر منكرا"...إنّه لا يقوى على احتمال التساوي مع الآخر الذي لم يُضطهد أو لم يُضطهد مثله،إنه يُريد أن يعلوَ صوته عن كلّ صوت،إنه لا يرى غيره جديرا "بقطف ثمار" الإطاحة بمنظومة الاستبداد والفساد حتى إن حاول التّستّر على ذلك تواضعا أو لاعتبارات أخرى...
- والثاني الذي يُعذّبه ما آل إليه وضعه من فقدانه لما كان ينعم به عهد الاستبداد المنقضي وخشيته من اجتثاثه،يمتزج فرحه بإغراءات مناخ الحرية والانعتاق بمشاعر الخوف من الآخر الذي يتربّص ليثأر أو ليُصنّفه في مرتبة دونه،لذلك وبإرادته أو دون وعي منه،ينقاد إلى الاستماتة من أجل الدفاع عن مصالحه ومكانته،ويعسر أن يقبل بسهولة أن تجرفه الثورة إلى وضع أسوأ ممّا كان عليه حتى إن كان المبرّر التضحية من أجل قطع دابر الدكتاتورية وبالتالي الانتقال إلى الاحتكام لإرادة الشعب.
والثالث الذي كان متفرّجا ولا يزال يعتقد أنّ "الوقوف على الرّبوة أسلم"،ذلك الذي يقف موقف الملاحظ يعتبر أنه في كلّ الحالات إن لم يغنم من الوضع الجديد فقد لا يخسر شيئا ذا بال،أي هو حليف لمصلحته الشخصية الضيقة أكانت في مناخ استبدادي أو ديمقراطي...
إذن الجميع مرضى بحاجة إلى علاج...لا أحد بمفرده أو بطيفه الإيديولوجي أو السياسي يُؤتَمن جانبه لتحقيق الغاية الأسمى وهي التّوفّق إلى العبور من الاستبداد إلى الحرّية والديمقراطية لفائدة الجميع ودون استثناء...إنّ شكّ كلّ طرف في الآخر مبرّر بل هو مطلوب لتأمين انتقال ديمقراطي سليم...لا يكفي أن يستدلّ أحدهم "بيد بيضاء طاهرة" ليُسلّم له البقية الأمر مطمئنّين إلى قيادة البلاد إلى شاطئ النجاة...مَنْ يضمَنُ أنّ هذه اليد التي ادّعت الطهارة لا تغوص في الوحل؟...
 مَنْ يضمن ألاّ يعود الاستبداد من جديد والمجتمعات محكومة بذات تركيبتها وبيئتها التي فرّخت استبداد الأمس ؟
أثبتت التجارب أنّ مقاومة استبداد الاستعمار الأجنبي أفضت إلى استبداد "زعامات وطنية" وأنّ الذين انقلبوا على استبداد الزعامات "الوطنية" باعتبارهم "منقذين" ما لبثوا أن تحوّلوا إلى طغاة ومستبدّين دون أن تُعوزهم التعلات التي أسسوا عليها استبدادهم كمقاومة الإرهاب وإرساء المجتمع الحداثي أو تطبيق الشريعة الإسلامية (السودان،الصومال،باكستان... السعودية...إيران)
الاستبداد هو الاستبداد مهما كان القناع الذي يتجمّل به.
ليطمئنّ الجميع تأسيسا للانتقال الديمقراطي يجب أن تعكس مؤسسة الحكم الانتقالي هذا الواقع بطريقة يستحيل بواسطتها أن تؤول إلى انخرام توازن يسطو فيها طرف على البقية فيفعل ما يشاء مرتهنا الجميع لما تُخفيه نواياه...مرحلة الانتقال الديمقراطي هي مرحلة التعايش من أجل التداوي من آثار الاستبداد التي يشكو منها الجميع شكا مدمّرا لكلّ طرف في الآخر...يجب أن يتحوّل الشكّ المدمّر إلى شكّ إيجابي مشروع يصوغ قاعدة التعامل بين الجميع على أساس التُوافق بين الخصوم بصرف النّظر عن النّوايا المعلنة...أهمّ من النوايا المعلنة مهما كانت مغرية ومطمئنة هي الأرضية الصلبة التي تُقام عليها والتي تمنع انقلاب طرف على البقية ذلك أنّ بذور العقلية الانقلابية قائمة في رواسب البيئة الاستبدادية التي يشكو من آثارها الجميع .
تلك هي مرحلة الانتقال الديمقراطي:إنها مرحلة العلاج والنقاهة ليقوى جسم المجتمع،كلّ المجتمع على الانصراف إلى البناء...
يجب أن يشعر الجميع أنهم بالقطع مع الاستبداد كلهم مستفيدون حتى أولئك الذين تواطأوا معه عن قصد أو عن غير قصد.
لا مجال،إذن لانتظار "المهدي المنتظر" ولا التعويل على زعامة نقيّة طاهرة متعفّفة نُمنّي بها النّفس لــ"تَمُنَّ" علينا بورعها وكرمها فتُهدينا حرّيّتنا وتمنحنا كرامتنا...تلك  حرية مغشوشة لأنها كما وُهبت لنا قد تُسلب منّا...
ليس ثمّة من حلّ سوى التأسيس للحكم الديمقراطي درءا لخطر عودة الاستبداد ولا سبيل لهذا التأسيس إلا بالمرور بمرحلة الانتقال الديمقراطي التي تعني ألا ينفرد طرف خلالها بالحكم مهما كانت وجاهة ادّعائه النزاهة واحتكامه لرصيده النضالي في مقاومة الاستبداد... لا يجب التعلّل بأنّ الشعوب التي ثارت على الاستبداد لن تقبل بالرضوخ إليه مستقبلا وأنها ستثور عليه كما فعلت اليوم وقد فعلت ذلك بالأمس بصور مختلفة...
بقي أن نتساءل:كم تدوم مدّة الانتقال الديمقراطي؟
إنّ تحديد المدّة التي يستغرقها الانتقال الديمقراطي تتوقّف على مساعدة قوى المجتمع المتنافرة بعضها البعض على تعاطي العلاج الناجع للتعافي من آثار الاستبداد ومخلّفاته البغيضة...قد تكون المدّة بضعة أشهر وقد تستوجب بضع سنوات وفقا لما خلّفه الاستبداد من أضرار وأحقاد وما اهتدت إليه عبقرية الشعوب من معالجة ناجعة...
قد يدّعي البعض أنّ العلاج من آثار الاستبداد يُمكن أن يكون بغير الديمقراطية بما يعني الخوض في جدل ليس هنا مجاله ولا أعتقد أنّ أغلبية الشعوب العربية التي ثارت على استبداد أجهزة حكمها ورموزه ترى سبيلا آخر للقطع مع الاستبداد غير الديمقراطية...