يوليو 23، 2011

هل دقّت ساعة الحسم في تونس ؟..

                                             احذر إنّه نفق.................................

 
لنتّفق أولا أنه ليس من قبيل التهويل ولا التخويف التنبيه إلى أنّ مسار الثورة التونسية يلُفُّه ضباب كثيف يُعتّم الرّؤية بما لا يُساعد على تثبيت الدّعائم التي تستوجبها المرحلة الانتقالية بما تعنيه من اطمئنان التونسيين،كلّ التونسيين،إلى أنّ الوطن لم يعُدْ قابلا للخضوع لأهواء شخص أو حزب أو إيديولوجية أو فئة أو نوع اجتماعي أو نعرة قبلية ولا جهوية،أيْ الاطمئنان إلى أنّ الوطن قابل ليتّسع لكلّ أبنائه العباقرة والبسطاء والمتعافين والمرضى دون إقصاء،وطن لا يضطرّ أحد للفرار منه ويبذل كلّ أفراده الجهد من أجل أن يحتضنهم أحياء أو أمواتا مكرّمين...تلك غاية يحرم الضباب الكثيف الذي يُهيمن على المشهد الرّاهن من رؤيتها بل يمنع من استحضارها أولويّة الأولويات لثورة تعرف جيّدا دواعي اندلاعها دون أن تتحسّب من الأخطار الجدية التي باتت تتربّص بها لتضع البلاد على كفّ عفريت إن لم نقل أنّها أضحت فعلا على كفّه...
لكن ما هويّة هذا العفريت وما السرّ في خروجه إلى العلن ؟
تتبادل الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي التهم بلغة نارية متوتّرة إلاّ أنها لا تنفي،تصريحا أو تلميحا، أنّ المعضلة تكمن في :
- القصور عن تأمين أرضية صلبة لتوافقٍ ضروريٍّ تفرضه بإلحاح المرحلة الانتقالية الحرجة التي تمرّ بها البلاد.
- اعتقاد بعض الأطراف التي يُخيَّل إليها أنها تملك أوراق ضغط كثيرة تسمح لها بفرض شروطها التي تمكّنها من استحالة تمرير أيّ قرار دون موافقتها حتى إن كان ذلك على حساب أطراف أخرى،وحتى إن استوجب منها الأمر استعمال كلّ وسائل الاحتجاج السلمي والعنيف.
- وقوع المشهد العام في البلاد فريسة لتجاذباتِ قُطبين تحكمها إيديولوجيّتيْن منغلقتين ومتناقضتين واحدة تنتصب في أقصى اليمين والأخرى في أقصى اليسار يكاد يكون من المستحيل تلطيف علاقات التّوتّر المزمنة بينهما وبالتالي الالتقاء على قواسم مشتركة يقوم عليها حوار مسؤول يضع مصلحة البلاد فوق اعتبارات القناعات المذهبية الدغمائية الذاتية. أنّى لذلك أن يحدث في ظلّ قناعات مقامة على إيديولوجيات تؤمن بأنها الغاية التي لا تعلوها غاية حتى تلك التي تعني الوطن للجميع: الإيديولوجية  أكبر من الوطن..ا.
يُفترض،إزاء ذلك، أن يكون موقع  مؤسسة الحكم المؤقّتة مريحا،فهي غير مُصنّفة بأنها يمينيّة ولا يساريّة،وليست طرفا معنيا بالأسباب الكامنة وراء التجاذبات وعملية ليّ الأذرع التي تستعجل بلوغ كرسي السلطة في أسرع وقت ممكن وبكلّ الوسائل. الحكومة المؤقّتة ملتزمة علنا وذكّرت بالتزامها في كل المناسبات بأنّ أعضاءها لن يترشحوا للاستحقاق الانتخابي القادم (المجلس الوطني التأسيسي)،لكنها -مع ذلك ووفقا لما تضمّنه خطاب الوزير الأول الباجي قايد السبسي(18/7)- مستهدفة من الطرفين(الديني والعلماني) الفارضين للأمر الواقع جرّاء ملئهما الساحة بيانات وتظاهرات واعتصامات وانزلاقا إلى ممارسة العنف أو الوقوع ضحيّته...
الحكومة متّهمة بأنها غير محايدة تارة من هذا الطرف وتارة من ذاك،وهي لذلك لم تعد قادرة على حماية السفينة براكبيها من أهوال العاصفة.
ذات الحكومة مدعوّة إلى تقديم قراءتها لدلالة الأحداث والتنبيه إلى خطورة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي عليها البلاد والتي ترشّحها في حالة مزيد من التدهور إلى تهديد العباد في حياتهم والزّجّ بعامّة الناس،تحت ضغط الاحتكام إلى الشارع،إلى الاصطفاف والتباغض والتناحر،بتعلات عديدة ومعلّبة وجاهزة للاستعمال وفق الظرف...إذ تُستَدرَج السلطة المؤقّتة إلى استعمال أجهزة القوّة التي تَأتمِر بأوامرها لتنقاد إلى الإنهاك والارتباك وارتكاب الأخطاء،حتى إن كانت معزولة،فهي قابلة للتضخيم والتوظيف من أيّ طرف سياسي متربّص بحدث يريد قطف ثماره حتى إن كان ضحيّته طفل بريء قاده قدره إلى ساحة اشتباك في سيدي بوزيد نتيجة توتر أوقع أعوان الأمن في مصيدة إطلاق النار (أحداث سيدي بوزيد ليوم 18/7/2011 والتي نتج عنها فرض منع الجولان)...
لكن،ما موقف أغلبية الناس الذين لم تستهوهم الأحزاب رغم تجاوزها عتبة المائة حزب؟..
إنّهم قلقون إلى حدّ الإحباط ،لا يَصحّ أن نسمّيهم بالأغلبية الصامتة ما دام الكلام أصبح مباحا ويُمارسونه بل يقتاتونه  خبزا يوميا،لكنهم-على مستوى الفعل المؤثّر يكادون لا يفعلون شيئا غير اهتمامهم بضغط الحياة اليومي المعتاد...هم مرتبكون،متردّدون أو لعلّهم حذرون وغير مستعجلين لتغيير موازين القوى...تُرى هل يدّخرون جهدهم للحظة يعتبرون أنها لم تحن أم أعوزتهم الحيلة في تنظيم صفوفهم ضمن جبهة تقوم على طرح مغاير للمستهلك في الساحة السياسية؟..السؤال يظل مطروحا بإلحاح لا يجد تفسيرا له في أيّ تحليل غير الفعل على أرض الواقع.
الممارسة السياسية التي ألقت بظلالها في تونس عهد الثورة تبدو غير مختلفة كثيرا عن تلك التي كانت تتحكّم في مفاصلها قبل الثورة. فارق وحيد بارز جدير بالتنصيص عليه هو مناخ الحرّيّة الكبير الذي أنتجته الثورة والذي كان غائبا قبلها نتيجة إلغائه بالقمع لجْمًا لصوت كلّ من تُحدّثه نفسه تعاطي "حشيش" إبداء الرأي المخالف أو النيل من "منقذ البلاد ومحرّر العباد وحامي حمى الوطن والدين"...
لئن كانت الحرية تتيح للإنسان فرصة تأكيد جدارته بحياة كريمة لا تستقيم إلا بأن تكون متاحة للجميع ووفق ضوابط لا تنحرف بها إلى الفوضى والخراب،فإنّ القمع لا يسمح باختبار هذه الجدارة من عدمها،وهو ساترٌ لعيوب أولئك الذين،لا حيلة لهم،سوى النيل من شرف الحرية بتحويلها إلى فوضى وتطاحن ودمار.
أن تختلف مع غيرك ليس إثما،بل هو إثراء وتلوين لجمال الكون، أمّا أن تفرض على غيرك تفكيرك فذلك هو الإثم البغيض.
" لا إنسان دون تفكير،ولا تفكير دون اختلاف.والذين يقولون يجب أن يُمنَع التفكير لأنه يجب أن يُمنع الاختلاف هم في الواقع يقولون يجب أن يُمنَع وجود الإنسان أو أن يُحوَّل الإنسان إلى صرصار أعمى...
والسؤال:هل يجوز الاختلاف الفكري أو لا يجوز يُساوي السؤال:هل يجوز وجود الإنسان أو لا يجوز."- (القولة بين معقَّفين للمفكّر الثائر عبدالله القصيمي).